محمد متولي الشعراوي

1262

تفسير الشعراوي

بأمر الخلق جميعا وقد وضع لكل الخلق ما تقوم به حياتهم من مادة وصيانة مادة ، ومن قيم وصيانة قيم . وما دام هو القيوم والقائم بالأمر والمتولى الشؤون للخلق فلا بد أن يؤدى لهم مطلوبات مادتهم وما يبقيها ، ومطلوبات قيمهم وما يبقيها . أما مطلوبات المادة فيقول فيها : وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ( سورة فصلت ) إنه سبحانه يطمئننا على القوت ، وأما مطلوبات القيم فقال سبحانه : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 3 ] نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ ( 3 ) إذن فلم يعطنا سبحانه مقومات المادة فقط ، ولكن أعطانا مقومات القيم أيضا ؛ لأن المادة بدون قيم تكون شرسة هوجاء رعناء ، فيريد اللّه أن يجعل المادة في مستوى إيماني . إذن لا بد أن تنزل القيم . لذلك قال سبحانه : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ » و « نزل » تفيد شيئا قد وجب عليك ؛ لأن النزول معناه : شئ من أعلى ينزل ، وهو يقول لك : لا تتأبى على القيم التي جاءت لك من أعلى منك ؛ لأنها ليست من مساو لك ، إنها من خالق الكون والبشر ، والذي يمكنك أن تتأبى عليه ما يأتي ممن هو أدنى منك . لكن حين يجئ لك التقنين ممن هو أعلى منك فلا تتأبّ عليه ؛ لأن خضوعك له ليس ذلة بل عزة ، فقال : « نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ » . وفي سياق القرآن نجده سبحانه